فصل: تفسير الآيات رقم (36- 37)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 16‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ‏(‏8‏)‏ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏9‏)‏ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏10‏)‏ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ‏(‏11‏)‏ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ‏(‏12‏)‏ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ‏(‏14‏)‏ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ‏(‏15‏)‏ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله‏}‏ أي في شأن الله، كقول من قال‏:‏ إن الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله، وعزير ابن الله‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في النضر بن الحارث‏.‏ وقيل‏:‏ في أبي جهل‏.‏ وقيل‏:‏ هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم، وعلى كل حال فالاعتبار بما يدلّ عليه اللفظ وإن كان السبب خاصاً‏.‏ ومعنى اللفظ‏:‏ ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة، و‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ في محل نصب على الحال، أي كائناً بغير علم‏.‏ قيل‏:‏ والمراد بالعلم هو‏:‏ العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي‏.‏ والأولى حمل العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغوي، وهو‏:‏ الإرشاد‏.‏ والمراد بالكتاب المنير هو‏:‏ القرآن، والمنير‏:‏ النير البين الحجة الواضح البرهان، وهو وإن دخل تحت قوله‏:‏ ‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر عند ذكر الملائكة، وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم‏.‏ وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي، فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل العقلي ضرورياً كان أو استدلالياً، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه، وما ذكرناه أولى‏.‏ قيل‏:‏ والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى، أعني قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 3‏]‏ وبذلك قال كثير من المفسرين‏.‏ والتكرير للمبالغة في الذمّ كما تقول للرجل تذمه وتوبخه‏:‏ أنت فعلت هذا أنت فعلت هذا‏؟‏ ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى، فكأنه قال‏:‏ ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كلّ شيطان مريد بغير علم وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ليضل عن سبيل الله‏.‏ وقيل‏:‏ الآية الأولى في المقلدين اسم فاعل‏.‏ والثانية في المقلدين اسم مفعول‏.‏ ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال‏:‏ إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم، والثانية عامة في كلّ إضلال وجدال‏.‏

وانتصاب ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ‏}‏ على الحال من فاعل يجادل، والعطف‏:‏ الجانب، وعطفا الرجل‏:‏ جانباه من يمين وشمال، وفي تفسيره وجهان‏:‏ الأوّل‏:‏ أن المراد به من يلوي عنقه مرحاً وتكبراً، ذكر معناه الزجاج‏.‏ قال‏:‏ وهذا يوصف به المتكبر‏.‏ والمعنى‏:‏ ومن الناس من يجادل في الله متكبراً‏.‏ قال المبرد‏:‏ العطف ما انثنى من العنق‏.‏ والوجه الثاني‏:‏ أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ‏}‏‏:‏ الإعراض، أي معرضاً عن الذكر، كذا قال الفراء والمفضل وغيرهما كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏:‏

‏{‏لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 5‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 83‏]‏، واللام في ‏{‏لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ متعلق ب ‏{‏يجادل‏}‏ أي إن غرضه هو الإضلال عن السبيل وإن لم يعترف بذلك‏.‏ وقرئ‏:‏ «ليضلّ» بفتح الياء على أن تكون اللام هي لام العاقبة كأنه جعل ضلاله غاية لجداله، وجملة‏:‏ ‏{‏لَهُ فِي الدنيا خِزْيٌ‏}‏ مستأنفة مبينة لما يحصل له بسبب جداله من العقوبة‏.‏ والخزي‏:‏ الذل، وذلك بما يناله من العقوبة في الدنيا من العذاب المعجل وسوء الذكر على ألسن الناس‏.‏ وقيل‏:‏ الخزي الدنيوي هو‏:‏ القتل، كما وقع في يوم بدر ‏{‏وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق‏}‏ أي عذاب النار المحرقة‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى ما تقدّم من العذاب الدنيوي والأخروي، وهو مبتدأ خبره‏:‏ ‏{‏بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ‏}‏، والباء للسببية، أي ذلك العذاب النازل بك بسبب ما قدّمته يداك من الكفر والمعاصي، وعبر باليد عن جملة البدن لكون مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب، ومحل أن وما بعدها في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي والأمر أنه سبحانه لا يعذب عباده بغير ذنب‏.‏ وقد مرّ الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا نعيده‏.‏

‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ‏}‏ هذا بيان لشقاق أهل الشقاق‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال أكثر المفسرين‏:‏ الحرف‏:‏ الشك، وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، مثل حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقرّ، والذي يعبد الله على حرف قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب اضطراباً ويضعف قيامه فقيل للشاكّ في دينه‏:‏ إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه على غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن؛ لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن على حرف‏.‏ وقيل‏:‏ الحرف‏:‏ الشرط، أي ومن الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ‏}‏ أي خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال، ومعنى ‏{‏اطمأنّ به‏}‏‏:‏ ثبت على دينه واستمرّ على عبادته، أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه ‏{‏وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ‏}‏ أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله أو ماله أو نفسه ‏{‏انقلب على وَجْهِهِ‏}‏ أي ارتدّ ورجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، ثم بيّن حاله بعد انقلابه على وجهه فقال‏:‏ ‏{‏خَسِرَ الدنيا والآخرة‏}‏ أي ذهبا منه وفقدهما، فلا حظ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر وما أعدّه الله للصالحين من عباده‏.‏ وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس، والأعرج، والزهري، وابن أبي إسحاق‏:‏ «خاسرا الدنيا والآخرة» على صيغة اسم الفاعل منصوباً على الحال‏.‏ وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف‏.‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى خسران الدنيا والآخرة وهو مبتدأ وخبره ‏{‏هُوَ الخسران المبين‏}‏ أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله ‏{‏يَدْعُو مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ‏}‏ أي هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر ‏{‏يدعو من دون الله‏}‏ أي يعبد متجاوزاً عبادة الله إلى عبادة الأصنام ‏{‏ما لا يضرّه‏}‏ إن ترك عبادته، ‏{‏ولا ينفعه‏}‏ إن عبده لكون ذلك المعبود جماداً لا يقدر على ضرّ ولا نفع، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى الدعاء المفهوم من الفعل وهو يدعو، واسم الإشارة مبتدأ وخبره‏:‏ ‏{‏هُوَ الضلال البعيد‏}‏ أي عن الحق والرشد، مستعار من ضلال من سلك غير الطريق فصار بضلاله بعيداً عنها‏.‏ قال الفراء‏:‏ البعيد‏:‏ الطويل‏.‏

‏{‏يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ‏}‏ يدعو بمعنى‏:‏ يقول، والجملة مقرّرة لما قبلها من كون ذلك الدعاء ضلالاً بعيداً‏.‏ والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها؛ لأنه دخل النار بسبب عبادتها‏.‏ وإيراد صيغة التفضيل مع عدم النفع بالمرّة للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي، أو ذلك من باب ‏{‏وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 24‏]‏ واللام هي‏:‏ الموطئة للقسم، ومن موصولة أو موصوفة، و‏{‏ضرّه‏}‏ مبتدأ خبره أقرب، والجملة صلة الموصول‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير‏}‏ جواب القسم‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه يقول ذلك الكافر يوم القيامة لمعبوده الذي ضرّه أقرب من نفعه‏:‏ لبئس المولى ولبئس العشير‏.‏ والمولى الناصر، والعشير‏:‏ الصاحب، ومثل ما في هذه الآية قول عنترة‏:‏

يدعون عنتر والرماح كأنها *** أشطان بئر في لبان الأدهم

وقال الزجاج‏:‏ يجوز أن يكون ‏{‏يدعو‏}‏ في موضع الحال، وفيه هاء محذوفة، أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، وعلى هذا يوقف على ‏{‏يدعو‏}‏، ويكون قوله‏:‏ ‏{‏لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ‏}‏ كلاماً مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء، وخبره ‏{‏لبئس المولى‏}‏‏.‏ قال‏:‏ وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أوّل الكلام‏.‏ وقال الزجاج والفراء‏:‏ يجوز أن يكون ‏{‏يدعو‏}‏ مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، أي يدعو ما لا يضرّه ولا ينفعه يدعو، مثل ضربت زيداً ضربت‏.‏ وقال الفراء والكسائي والزجاج‏:‏ معنى الكلام القسم، واللام مقدّمة على موضعها، والتقدير‏:‏ يدعو من لضرّه أقرب من نفعه، فمن في موضع نصب ب ‏{‏يدعو‏}‏، واللام جواب القسم و‏{‏ضرّه‏}‏ مبتدأ، و‏{‏أقرب‏}‏ خبره، ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير قول الشاعر‏:‏

خالي لأنت ومن جرير خاله *** ينل العلاء ويكرم الأخوالا

أي لخالي أنت‏.‏ قال النحاس‏:‏ وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال‏:‏ في الكلام حذف، والمعنى‏:‏ يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلها‏.‏ قال النحاس‏:‏ وأحسب هذا القول غلطاً عن محمد بن يزيد، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه لا يعمل فيما بعدها‏.‏

وقال الفراء أيضاً والقفال اللام صلة، أي زائدة، والمعنى‏:‏ يدعو من ضرّه أقرب من نفعه، أي يعبده، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام، وتكون اللام في‏:‏ ‏{‏لبئس المولى‏}‏ وفي‏:‏ ‏{‏لبئس العشير‏}‏ على هذا موطئة للقسم‏.‏

‏{‏إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار‏}‏ لما فرغ من ذكر حال المشركين، ومن يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة، وأخبر أنه يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة، وقد تقدّم الكلام في جري الأنهار من تحت الجنات، وبيّنا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر؛ وإن أريد بها الأرض فلا بدّ من تقدير مضاف، أي من تحت أشجارها ‏{‏إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ‏}‏ هذه الجملة تعليل لما قبلها، أي يفعل ما يريده من الأفعال ‏{‏لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ‏}‏‏.‏ فيثيب من يشاء ويعذب من يشاء‏.‏

‏{‏مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والآخرة‏}‏ قال النحاس‏:‏ من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى‏:‏ من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ‏{‏فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء‏}‏ أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ‏{‏ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏}‏ أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له ‏{‏فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ‏}‏ وحيلته ‏{‏مَا يَغِيظُ‏}‏ من نصر النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظاً، ثم فسره بقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء‏}‏ أي فليشدد حبلاً في سقف بيته ‏{‏ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏}‏ أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً، والمعنى‏:‏ فليختنق غيظاً حتى يموت، فإن الله ناصره ومظهره، ولا ينفعه غيظه، ومعنى ‏{‏فلينظر هل يذهبن كيده‏}‏ أي صنيعه وحيلته ما يغيظ، أي غيظه، و«ما» مصدرية‏.‏ وقيل‏:‏ إن الضمير في‏:‏ ‏{‏ينصره‏}‏ يعود إلى من، والمعنى‏:‏ من كان يظنّ أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه، وبه قال أبو عبيدة‏.‏ وقيل‏:‏ إن الضمير يعود إلى الدين، أي من كان يظنّ أن لن ينصر الله دينه‏.‏ وقرأ الكوفيون بإسكان اللام في «ثم ليقطع»‏.‏ قال النحاس‏:‏ وهذه القراءة بعيدة من العربية‏.‏

‏{‏وكذلك أنزلناه ءايات بينات‏}‏ أي‏:‏ مثل ذلك الإنزال البديع أنزلناه آيات واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها ‏{‏وَأَنَّ الله يَهْدِى مَن يُرِيدُ‏}‏ هدايته ابتداء أو زيادة فيها لمن كان مهدياً من قبل‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ‏}‏ قال‏:‏ لاوي عنقه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسديّ وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله‏:‏ ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ‏}‏ قال‏:‏ أنزلت في النضر بن الحارث‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ هو رجل من بني عبد الدار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ‏{‏ثَانِيَ عِطْفِهِ‏}‏ قال‏:‏ مستكبراً في نفسه‏.‏ وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ‏}‏ قال‏:‏ كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال‏:‏ هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال‏:‏ هذا دين سوء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه بسند صحيح قال‏:‏ كان ناس من الأعراب يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا‏:‏ إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا‏:‏ ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً نحوه، وفي إسناده العوفي‏.‏ وأخرج ابن مردويه أيضاً من طريقه أيضاً عن أبي سعيد قال‏:‏ أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أقلني أقلني، قال‏:‏ «إن الإسلام لا يقال»، فقال‏:‏ لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال‏:‏ «يا يهوديّ، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة»، فنزلت ‏{‏وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ‏}‏

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله‏}‏ قال‏:‏ من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا والآخرة ‏{‏فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ‏}‏ قال‏:‏ فليربط بحبل ‏{‏إِلَى السماء‏}‏ قال‏:‏ إلى سماء بيته السقف ‏{‏ثُمَّ لْيَقْطَعْ‏}‏ قال‏:‏ ثم يختنق به حتى يموت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله‏}‏ يقول‏:‏ أن لن يرزقه الله ‏{‏فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء‏}‏ فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به ‏{‏فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ‏}‏ قال‏:‏ فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 24‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏17‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ‏(‏18‏)‏ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ‏(‏19‏)‏ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ‏(‏20‏)‏ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ‏(‏21‏)‏ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ‏(‏22‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ‏(‏23‏)‏ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ‏(‏24‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ‏}‏ أي بالله وبرسوله، أو بما ذكر من الآيات البينات ‏{‏والذين هَادُواْ‏}‏ هم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى ‏{‏والصابئين‏}‏ قوم يعبدون النجوم‏.‏ وقيل‏:‏ هم من جنس النصارى وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء ‏{‏والنصارى‏}‏ هم المنتسبون إلى ملة عيسى ‏{‏والمجوس‏}‏ هم الذين يعبدون النار، ويقولون‏:‏ إن للعالم أصلين‏:‏ النور والظلمة‏.‏ وقيل‏:‏ هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل‏:‏ هم قوم يستعملون النجاسات‏.‏ وقيل‏:‏ هم قوم من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى ‏{‏والذين أَشْرَكُواْ‏}‏ الذين يعبدون الأصنام، وقد مضى تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدّم هنالك النصارى على الصابئين، وأخّرهم عنهم هنا‏.‏ فقيل‏:‏ وجه تقديم النصارى هنالك‏:‏ أنهم أهل كتاب دون الصابئين، ووجه تقديم الصابئين هنا‏:‏ أن زمنهم متقدّم على زمن النصارى، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة‏}‏ في محل رفع على أنها خبر لإنّ المتقدّمة‏.‏ ومعنى الفصل‏:‏ أنه سبحانه يقضي بينهم فيدخل المؤمنين منهم الجنة والكافرين منهم النار‏.‏ وقيل‏:‏ الفصل هو أن يميز المحقّ من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ‏}‏ تعليل لما قبلها، أي أنه سبحانه على كل شيء من أفعال خلقه وأقوالهم شهيد لا يعزب عنه شيء منها، وأنكر الفراء أن تكون جملة ‏{‏إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ‏}‏ خبراً لإن المتقدّمة‏.‏ وقال لا يجوز في الكلام‏:‏ إن زيداً إن أخاه منطلق، وردّ الزجاج ما قاله الفراء، وأنكره وأنكر ما جعله مماثلاً للآية، ولا شك في جواز قولك‏:‏ إن زيداً إن الخير عنده، وإن زيداً إنه منطلق، ونحو ذلك‏.‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السموات وَمَن فِي الارض‏}‏ الرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، أي ألم تعلم‏.‏ والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتى منه الرؤية، والمراد بالسجود هنا هو‏:‏ الانقياد الكامل، لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء جعلت كلمة من خاصة بالعقلاء، أو عامة لهم ولغيرهم، ولهذا عطف ‏{‏الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب‏}‏ على من، فإن ذلك يفيد أن السجود هو الانقياد لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنما أفرد هذه الأمور بالذكر مع كونها داخلة تحت من، على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعداً في العادة، وارتفاع ‏{‏كَثِيرٍ مّنَ الناس‏}‏ بفعل مضمر يدل عليه المذكور، أي ويسجد له كثير من الناس‏.‏ وقيل‏:‏ مرتفع على الابتداء وخبره محذوف وتقديره‏:‏ وكثير من الناس يستحق الثواب، والأوّل أظهر‏.‏

وإنما لم يرتفع بالعطف على من، لأن سجود هؤلاء الكثير من الناس هو سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدّم هو‏:‏ الانقياد، فلو ارتفع بالعطف على من لكان في ذلك جمع بين معنيين مختلفين في لفظ واحد‏.‏ وأنت خبير بأنه لا ملجئ إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم لا نفس السجود الخاص، فارتفاعه على العطف لا بأس به، وإن أبى ذلك صاحب الكشاف ومتابعوه، وأما قوله‏:‏ ‏{‏وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب‏}‏ فقال الكسائي والفراء‏:‏ إنه مرتفع بالابتداء وخبره ما بعده‏.‏ وقيل‏:‏ هو معطوف على كثير الأوّل، ويكون المعنى‏:‏ وكثير من الناس يسجد وكثير منهم يأبى ذلك، وقيل‏:‏ المعنى وكثير من الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب هكذا حكاه ابن الأنباري ‏{‏وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ‏}‏ أي من أهانه الله بأن جعله كافراً شقياً، فما له من مكرم يكرمه فيصير سعيداً عزيزاً‏.‏ وحكى الأخفش والكسائي والفراء أن المعنى‏:‏ ومن يهن الله فما له من مكرم، أي إكرام ‏{‏إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء‏}‏ من الأشياء التي من جملتها ما تقدّم ذكره من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة‏.‏

‏{‏هذان خَصْمَانِ‏}‏ الخصمان أحدهما أنجس الفرق‏:‏ اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر‏:‏ المسلمون، فهما فريقان مختصمان‏.‏ قاله الفراء وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالخصمين الجنة والنار‏.‏ قالت الجنة‏:‏ خلقني لرحمته، وقالت النار‏:‏ خلقني لعقوبته‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالخصمين‏:‏ هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين حمزة وعليّ وعبيدة، ومن الكافرين‏:‏ عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة‏.‏ وقد كان أبو ذرّ رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول‏.‏ وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن عليّ أنه قال‏:‏ فينا نزلت هذه الآية‏.‏ وقرأ ابن كثير «هذان» بتشديد النون، وقال سبحانه‏:‏ ‏{‏اختصموا‏}‏ ولم يقل‏:‏ اختصما‏.‏ قال الفراء‏:‏ لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، ومعنى ‏{‏فِي رَبّهِمْ‏}‏ في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده، أو في جميع ذلك‏.‏

ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله‏:‏ ‏{‏يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ‏}‏ فقال‏:‏ ‏{‏فالذين كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ‏}‏ قال الأزهري‏:‏ أي سوّيت وجعلت لبوساً لهم، شبهت النار بالثياب؛ لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى في الآية‏:‏ أحاطت النار بهم‏.‏ وقرئ‏:‏ «قُطّعَتْ» بالتخفيف، ثم قال سبحانه‏:‏ ‏{‏يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم‏}‏ والحميم هو‏:‏ الماء الحار المغلي بنار جهنم، والجملة مستأنفة أو هي خبر ثانٍ للموصول ‏{‏يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ‏}‏ الصهر‏:‏ الإذابة، والصهارة‏:‏ ما ذاب منه، يقال‏:‏ صهرت الشيء فانصهر، أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى‏:‏ أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ‏{‏والجلود‏}‏ معطوفة على ما، أي ويصهر به الجلود والجملة في محل نصب على الحال‏.‏

وقيل‏:‏ إن الجلود لا تذاب، بل تحرق، فيقدّر فعل يناسب ذلك، ويقال‏:‏ وتحرق به الجلود كما في قول الشاعر‏:‏

علفتها تبناً وماءً بارداً *** أي وسقيتها ماء، ولا يخفى أنه لا ملجئ لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى‏.‏ ‏{‏وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ‏}‏‏:‏ المقامع جمع مقمعة ومقمع، قمعته‏:‏ ضربته بالمقمعة، وهي قطعة من حديد‏.‏ والمعنى‏:‏ لهم مقامع من حديد يضربون بها، أي للكفرة، وسميت المقامع مقامع؛ لأنها تقمع المضروب، أي تذلله‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ أقمعت الرجل عني إقماعاً‏:‏ إذا اطلع عليك فرددته عنك ‏{‏كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا‏}‏ أي من النار ‏{‏أُعِيدُواْ فِيهَا‏}‏ أي في النار بالضرب بالمقامع، و‏{‏مِنْ غَمّ‏}‏ بدل من الضمير في منها بإعادة الجارّ أو مفعول له، أي لأجل غمّ شديد من غموم النار ‏{‏وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق‏}‏ هو بتقدير القول، أي أعيدوا فيها؛ وقيل لهم‏:‏ ذوقوا عذاب الحريق، أي العذاب المحرق، وأصل الحريق الاسم من الاحتراق، تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة واحتراقاً، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك الألم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وهذا لأحد الخصمين‏.‏ وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار‏}‏ فبيّن سبحانه حال المؤمنين بعد بيانه لحال الكافرين‏.‏

ثم بيّن الله سبحانه بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال‏:‏ ‏{‏يُحَلَّوْنَ فِيهَا‏}‏ قرأ الجمهور ‏{‏يحلون‏}‏ بالتشديد والبناء للمفعول، وقرئ مخففاً، أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره‏.‏ و«من» في قوله‏:‏ ‏{‏مِنْ أَسَاوِرَ‏}‏ للتبعيض، أي يحلون بعض أساور، أو للبيان، أو زائدة، و«من» في ‏{‏مّن ذَهَبٍ‏}‏ للبيان، والأساور‏:‏ جمع أسورة والأسورة‏:‏ جمع سوار‏.‏ وفي السوار لغتان‏:‏ كسر السين وضمها، وفيه لغة ثالثة، وهي أسوار‏.‏ قرأ نافع وابن كثير وعاصم وشيبة ‏{‏ولؤلؤاً‏}‏ بالنصب عطف على محل ‏{‏أساور‏}‏ أي ويحلون لؤلؤاً، أو بفعل مقدّر ينصبه، وهكذا قرأ بالنصب يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر، وهذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف فإن هذا الحرف مكتوب فيه بالألف، وقرأ الباقون بالجرّ عطفاً على ‏{‏أساور‏}‏ أي يحلون من أساور ومن لؤلؤ، واللؤلؤ‏:‏ ما يستخرج من البحر من جوف الصدف‏.‏

قال القشيري‏:‏ والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب ‏{‏وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ‏}‏ أي جميع ما يلبسونه حرير كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرّماً عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس، وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه وينال ما يريده‏.‏

‏{‏وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول‏}‏ أي أرشدوا إليه، قيل‏:‏ هو لا إله إلا الله‏.‏ وقيل‏:‏ الحمد لله‏.‏ وقيل‏:‏ القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات‏.‏ وقد ورد في القرآن ما يدلّ على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏، ‏{‏الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏، ‏{‏الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 34‏]‏‏.‏ ومعنى ‏{‏وَهُدُواْ إلى صراط الحميد‏}‏‏:‏ أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود وهو طريق الجنة، أو صراط الله الذي هو دينه القويم، وهو الإسلام‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏والصابئين‏}‏ قال‏:‏ هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون القبلة، ويقرؤون الزبور ‏{‏والمجوس‏}‏ عبدة الشمس والقمر والنيران، ‏{‏والذين أَشْرَكُواْ‏}‏ عبدة الأوثان ‏{‏إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ الأديان ستة؛ فخمسة للشيطان، ودين الله عزّ وجلّ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال‏:‏ فصل قضاءه بينهم فجعل الخمسة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ الذين هادوا‏:‏ اليهود، والصابئون‏:‏ ليس لهم كتاب، والمجوس‏:‏ أصحاب الأصنام، والمشركون‏:‏ نصارى العرب‏.‏

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية‏:‏ ‏{‏هذان خَصْمَانِ‏}‏ الآية نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، وهم‏:‏ حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قال عليّ‏:‏ وأنا أوّل من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة‏.‏ وأخرجه البخاري وغيره من حديث عليّ‏.‏ وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس بنحوه، وهكذا روي عن جماعة من التابعين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ‏}‏ قال‏:‏ من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه، وفي قوله‏:‏ ‏{‏يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم‏}‏ قال‏:‏ النحاس يذاب على رؤوسهم، وقوله‏:‏ ‏{‏يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ تسيل أمعاؤهم ‏{‏والجلود‏}‏ قال‏:‏ تتناثر جلودهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن أبي هريرة؛ أنه تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم‏}‏ فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

«إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ يمشون وأمعاءهم تتساقط وجلودهم‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ‏}‏ قال‏:‏ يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالويل والثبور‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال‏:‏ يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون‏.‏ وأخرج أحمد، وأبو يعلى وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان» وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سلمان قال‏:‏ النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا‏}‏‏.‏ وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» وفي الباب أحاديث‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول‏}‏ قال‏:‏ ألهموا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ هدوا إلى الطيب من القول في الخصومة إذ قالوا‏:‏ الله مولانا ولا مولى لكم‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد في الآية قال‏:‏ القرآن ‏{‏وَهُدُواْ إلى صراط الحميد‏}‏ قال‏:‏ الإسلام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال‏:‏ الإسلام‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله الذي قال‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 10‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 29‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏25‏)‏ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏26‏)‏ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ‏(‏27‏)‏ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ‏(‏28‏)‏ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ عطف المضارع على الماضي؛ لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصدّ، ومثل هذا قوله‏:‏ ‏{‏الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 1‏]‏، أو المراد بالصدّ ها هنا الاستمرار لا مجرّد الاستقبال، فصح بذلك عطفه على الماضي، ويجوز أن تكون الواو في‏:‏ ‏{‏ويصدّون‏}‏ واو الحال، أي كفروا والحال أنهم يصدون‏.‏ وقيل‏:‏ الواو زائدة والمضارع خبر إن والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله‏:‏ ‏{‏والباد‏}‏ وذلك نحو خسروا أو هلكوا‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ إن الخبر ‏{‏نذقه من عذاب أليم‏}‏ وردّ بأنه لو كان خبراً لإن لم يجزم وأيضاً لو كان خبراً لإن لبقي الشرط وهو ‏{‏وَمَن يُرِدِ‏}‏ بغير جواب، فالأولى أنه محذوف كما ذكرنا‏.‏ والمراد بالصدّ‏:‏ المنع وبسبيل الله‏:‏ دينه، أي‏:‏ يمنعون من أراد الدخول في دين الله و‏{‏المسجد الحرام‏}‏، معطوف على ‏{‏سبيل الله‏}‏ قيل‏:‏ المراد به‏:‏ المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني‏.‏ وقيل‏:‏ الحرم كله؛ لأن المشركين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه يوم الحديبية‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به‏:‏ مكة بدليل قوله‏:‏ ‏{‏الذي جعلناه لِلنَّاسِ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد‏}‏ أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به مستوياً فيه العاكف وهو المقيم فيه الملازم له، والباد أي الواصل من البادية، والمراد به‏:‏ الطارئ عليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم‏.‏ وانتصاب ‏{‏سواء‏}‏ على أنه المفعول الثاني لجعلناه، وهو بمعنى مستوياً، و‏{‏العاكف‏}‏ مرتفع به، وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادّين عنه، ويحتمل أن يكون انتصاب ‏{‏سَوَآء‏}‏ على الحال‏.‏ وهذا على قراءة النصب، وبها قرأ حفص عن عاصم، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجمهور برفع ‏{‏سواء‏}‏ على أنه مبتدأ وخبره ‏{‏العاكف‏}‏ أو على أنه خبر مقدّم، والمبتدأ ‏{‏العاكف‏}‏ أي العاكف فيه والبادي سواء، وقرئ بنصب ‏{‏سواء‏}‏ وجرّ ‏{‏العاكف‏}‏ على أنه صفة للناس، أي جعلناه للناس، العاكف والبادي سواء، وأثبت الياء في البادي ابن كثير وصلا ووقفا، وحذفها أبو عمرو في الوقف، وحذفها نافع في الوصل والوقف‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه‏.‏

واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ‏.‏ وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى ربّ المنزل أن يؤويه شاء أم أبى‏.‏ وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام، ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها‏.‏ والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين‏:‏ الأصل الأوّل‏:‏ ما في هذه الآية‏:‏ هل المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه، أو جميع الحرم، أو مكة على الخصوص‏؟‏ والثاني‏:‏ هل كان فتح مكة صلحاً أو عنوة‏؟‏ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة هل أقرّها النبيّ صلى الله عليه وسلم في يد أهلها على الخصوص‏؟‏ أو جعلها لمن نزل بها على العموم‏؟‏ وقد أوضحنا هذا في شرحنا على المنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة‏.‏

‏{‏وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ مفعول يرد محذوف لقصد التعميم، والتقدير‏:‏ ومن يرد فيه مراداً، أيّ مراد بإلحاد، أي بعدول عن القصد‏.‏ والإلحاد في اللغة‏:‏ الميل إلا أنه سبحانه بيّن هنا أنه الميل بظلم‏.‏

وقد اختلف في هذا الظلم ماذا هو‏؟‏ فقيل‏:‏ هو الشرك‏.‏ وقيل‏:‏ الشرك والقتل، وقيل‏:‏ صيد حيواناته وقطع أشجاره، وقيل‏:‏ هو الحلف فيه بالأَيمان الفاجرة، وقيل‏:‏ المراد‏:‏ المعاصي فيه على العموم‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان‏.‏ وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا‏:‏ لو همّ الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذّبه الله‏.‏ والحاصل‏:‏ أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرّد الإرادة للظلم، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها، إلا أن يقال‏:‏ إن الإرادة فيها زيادة على مجرّد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا وتقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جدّاً، ومثل هذه الآية حديث‏:‏ «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول‏؟‏ قال‏:‏ «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» فدخل النار هنا بسبب مجرّد حرصه على قتل صاحبه‏.‏ وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة، والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بِإِلْحَادٍ‏}‏ إن كان مفعول ‏{‏يرد‏}‏ محذوفاً كما ذكرنا فليست بزائدة‏.‏ وقيل‏:‏ إنها زائدة هنا كقول الشاعر‏:‏

نحن بنو جعدة أصحاب الفَلَج *** نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

أي‏:‏ نرجو الفرج، ومثله‏:‏

ألم يأتيك والأنباء تنمى *** بما لاقت لبون بني زياد

أي‏:‏ ما لاقت، ومن القائلين بأنها زائدة الأخفش، والمعنى عنده‏:‏ ومن يرد فيه إلحاداً بظلم‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ دخلت الباء لأن المعنى‏:‏ بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف، ويجوز أن يكون التقدير‏:‏ ومن يرد الناس بإلحاد‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏يرد‏}‏ مضمن معنى‏:‏ يهمّ، والمعنى‏:‏ ومن يهمّ فيه بإلحاد‏.‏ وأما الباء في قوله‏:‏ ‏{‏بظلم‏}‏ فهي للسببية، والمعنى‏:‏ ومن يرد فيه بإلحاد بسبب الظلم، ويجوز أن يكون ‏{‏بظلم‏}‏ بدلاً من ‏{‏بإلحاد‏}‏ بإعادة الجارّ، ويجوز أن يكونا حالين مترادفين‏.‏

‏{‏وإذ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت‏}‏ أي‏:‏ واذكر وقت ذلك، يقال‏:‏ بوّأته منزلاً وبوّأت له، كما يقال‏:‏ مكنتك ومكنت لك‏.‏

قال الزجاج‏:‏ معناه‏:‏ جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم، ومعنى ‏{‏بوّأنا‏}‏‏:‏ بيّنا له مكان البيت، ومثله قول الشاعر‏:‏

كم من أخ لي ماجد *** بوّأته بيديّ لحداً

وقال الفراء‏:‏ إن اللام زائدة ومكان ظرف، أي أنزلناه فيه ‏{‏أن لا تشرك بِي شَيْئاً‏}‏ قيل‏:‏ إن هذه هي مفسرة لبوّأنا، لتضمنه معنى تعبدنا؛ لأن التبوئة هي للعبادة‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ هي مصدرية، أي لأن لا تشرك بي‏.‏ وقيل‏:‏ هي المخففة من الثقيلة، وقيل‏:‏ هي زائدة‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الآية‏:‏ وأوحينا إليه أن لا تعبد غيري‏.‏ قال المبرد‏:‏ كأنه قيل له‏:‏ وحدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك‏:‏ بي وحدني ‏{‏وَطَهّرْ بَيْتِيَ‏}‏ من الشرك وعبادة الأوثان‏.‏ وفي الآية طعن على ما أشرك من قطان البيت أي‏:‏ هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم فلم تفوا بل أشركتم‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ الخطاب بقوله‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تُشْرِكُواْ‏}‏ لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا ضعيف جدّاً‏.‏ ومعنى ‏{‏وَطَهّرْ بَيْتِىَ‏}‏‏:‏ تطهيره من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات، وقيل‏:‏ عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت، وقد مرّ في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى‏.‏ والمراد بالقائمين هنا هم‏:‏ المصلون وذكر ‏{‏الركع السجود‏}‏ بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا في البيت فالطواف عنده والصلاة إليه‏.‏

‏{‏وَأَذّن فِي الناس بالحج‏}‏ قرأ الحسن وابن محيصن‏:‏ «وآذن» بتخفيف الذال والمدّ‏.‏ وقرأ الباقون بتشديد الذال، والأذان الإعلام، وقد تقدّم في براءة‏.‏

قال الواحدي‏:‏ قال جماعة المفسرين‏:‏ لما فرغ إبراهيم من بناء البيت جاءه جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فقال‏:‏ يا ربّ، من يبلغ صوتي‏؟‏ فقال الله سبحانه‏:‏ أذن وعليّ البلاغ، فعلا المقام فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال، فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال‏:‏ يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء‏:‏ لبيك اللّهم لبيك‏.‏ وقيل‏:‏ إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ والمعنى‏:‏ أعلمهم يا محمد بوجوب الحجّ عليهم، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله‏:‏ ‏{‏والركع السجود‏}‏ وقيل‏:‏ إن خطابه انقضى عند قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت‏}‏ وأن قوله‏:‏ ‏{‏أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى‏}‏ وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الجمهور ‏{‏بالحجّ‏}‏ بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها ‏{‏يَأْتُوكَ رِجَالاً‏}‏ هذا جواب الأمر، وعده الله إجابة الناس له إلى حجّ البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى ‏{‏رجالاً‏}‏‏:‏ مشاة، جمع راجل‏.‏

وقيل‏:‏ جمع رجل‏.‏ وقرأ ابن أبي إسحاق «رجالاً» بضم الراء وتخفيف الجيم‏.‏ وقرأ مجاهد‏:‏ «رجالى» على وزن فعالى مثل كسالى‏.‏ وقدّم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، وقال‏:‏ ‏{‏يأتوك‏}‏ وإن كانوا يأتون البيت، لأن من أتى الكعبة حاجاً فقد أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه ‏{‏وعلى كُلّ ضَامِرٍ‏}‏ عطف على ‏{‏رجالا‏}‏ أي وركباناً على كل بعير‏.‏ والضامر‏:‏ البعير المهزول الذي أتعبه السفر، يقال‏:‏ ضمر يضمر ضموراً، ووصف الضامر بقوله‏:‏ ‏{‏يَأْتِينَ‏}‏ باعتبار المعنى؛ لأن ضامر في معنى ضوامر، وقرأ أصحاب ابن مسعود وابن أبي عبلة والضحاك «يأتون» على أنه صفة ل ‏{‏رجالاً‏}‏‏.‏ والفجّ‏:‏ الطريق الواسع، الجمع فجاج، والعميق‏:‏ البعيد‏.‏ واللام في ‏{‏لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ‏}‏ متعلقة بقوله‏:‏ ‏{‏ريأتوك‏}‏ وقيل‏:‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وأذن‏}‏ والشهود‏:‏ الحضور، والمنافع هي تعمّ منافع الدنيا والآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بها‏:‏ المناسك‏.‏ وقيل‏:‏ المغفرة؛ وقيل‏:‏ التجارة كما في قوله‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 198‏]‏‏.‏ ‏{‏وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِي أَيَّامٍ معلومات‏}‏ أي يذكروا عند ذبح الهدايا والضحايا اسم الله‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذا الذكر كناية عن الذبح؛ لأنه لا ينفك عنه‏.‏ والأيام المعلومات هي‏:‏ أيام النحر، كما يفيد ذلك قوله‏:‏ ‏{‏على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ عشر ذي الحجة‏.‏ وقد تقدّم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده، والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏على ما رزقهم‏}‏‏:‏ على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وبهيمة الأنعام هي الأنعام، فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم‏:‏ مسجد الجامع وصلاة الأولى ‏{‏فَكُلُواْ مِنْهَا‏}‏ الأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ‏{‏وَأَطْعِمُواْ البائس الفقير‏}‏ البائس‏:‏ ذو البؤس وهو شدة الفقر، فذكر الفقير بعده؛ لمزيد الإيضاح‏.‏ والأمر هنا للوجوب‏.‏ وقيل‏:‏ للندب‏.‏

‏{‏ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ‏}‏ المراد بالقضاء هنا هو‏:‏ التأدية، أي ليؤدوا إزالة وسخهم، لأن التفث هو‏:‏ الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار، وقد أجمع المفسرون، كما حكاه النيسابوري، على هذا‏.‏ قال الزجاج‏:‏ إن أهل اللغة لا يعرفون التفث‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ لم يأت في الشرع ما يحتجّ به في معنى التفث‏.‏ وقال المبرّد‏:‏ أصل التفث في اللغة‏:‏ كل قاذورة تلحق الإنسان‏.‏ وقيل‏:‏ قضاؤه ادّهانه لأن الحاج مغبرّ شعث لم يدهن ولم يستحد، فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه، فهذا هو قضاء التفث‏.‏ قال الزجاج‏:‏ كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال ‏{‏وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ ما ينذرون به من البرّ في حجهم، والأمر للوجوب‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالنذور هنا أعمال الحج ‏{‏وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق‏}‏ هذا الطواف هو طواف الإفاضة‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ لا خلاف في ذلك بين المتأوّلين، والعتيق‏:‏ القديم كما يفيده قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 96‏]‏ الآية، وقد سمي العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار‏.‏ وقيل‏:‏ لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه أعتق من غرق الطوفان‏.‏ وقيل‏:‏ العتيق الكريم‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والمسجد الحرام‏}‏ قال‏:‏ الحرم كله، وهو المسجد الحرام ‏{‏سَوَاء العاكف فِيهِ والباد‏}‏ قال‏:‏ خلق الله فيه سواء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ هم في منازل مكة سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم‏.‏ وقال البادي وأهل مكة سواء، يعني‏:‏ في المنزل والحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطونه ناراً‏.‏ وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة‏:‏ يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي، فأعرض عنه عمر وقال‏:‏ هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال‏:‏ كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاجّ في عرصات الدور‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله‏:‏ ‏{‏سَوَاء العاكف فِيهِ والباد‏}‏ قال‏:‏ «سواء المقيم والذي يرحل» وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها» وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه عن علقمة بن نضلة قال‏:‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاح سكن ومن استغنى أسكن‏.‏ رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حفرة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة فذكره‏.‏ وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً‏:‏ «من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً» وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود رفعه في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ‏}‏ قال‏:‏ «لو أن رجلاً همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً» قال ابن كثير‏:‏ هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال‏:‏ من همّ بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت، لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن همّ بخطيئة في البيت؛ لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتدّ عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه ‏{‏وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ‏}‏ يعني‏:‏ من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني بميل عن الإسلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ‏}‏ قال‏:‏ بشرك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يعلى بن أمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ بيع الطعام بمكة إلحاد‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «احتكار الطعام بمكة إلحاد» وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عن عليّ قال‏:‏ لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر‏.‏ فلما قدم مكة رأى على رابية في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال‏:‏ يا إبراهيم، ابْنِ على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، وذلك حين يقول الله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ‏{‏والقائمين‏}‏ قال‏:‏ المصلين عنده‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة معناه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال‏:‏ لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال‏:‏ ربّ، قد فرغت، فقال‏:‏ ‏{‏أَذِنَ فِي الناس بالحج‏}‏ قال‏:‏ ربّ، وما يبلغ صوتي‏؟‏ قال‏:‏ أذن وعليّ البلاغ، قال‏:‏ ربّ كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ قل‏:‏ يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق‏.‏ فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون‏.‏ وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ أسواقاً كانت لهم، ما ذكر الله منافع إلا الدنيا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فمما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات‏.‏ وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين عنه أيضاً قال‏:‏ الأيام المعلومات‏:‏ أيام العشر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال‏:‏ الأيام المعلومات‏:‏ يوم النحر وثلاثة أيام بعده‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال‏:‏ أيام التشريق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه أيضاً في الأيام المعلومات قال‏:‏ قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال‏:‏ البائس‏:‏ الزمن‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال‏:‏ التفث‏:‏ المناسك كلها‏.‏ وأخرج هؤلاء عن ابن عباس نحوه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الإبط وحلق العانة والوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وقصّ الأظفار وقصّ الشارب والذبح‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه‏:‏ ‏{‏وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق‏}‏ هو طواف الزيارة يوم النحر، وورد في وجه تسمية البيت بالعتيق آثار عن جماعة من الصحابة، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً‏.‏ وورد في فضل الطواف أحاديث ليس هذا موضع ذكرها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 35‏]‏

‏{‏ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ‏(‏30‏)‏ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ‏(‏31‏)‏ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ‏(‏32‏)‏ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ‏(‏33‏)‏ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ‏(‏34‏)‏ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

محل ‏{‏ذلك‏}‏ الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك، أو مبتدأ خبره محذوف، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي افعلوا ذلك‏.‏ والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحجّ، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد، والحرمات جمع حرمة‏.‏ قال الزجاج‏:‏ الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وهي في هذه الآية ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها‏.‏ والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان السبب خاصاً، وتعظيمها ترك ملابستها ‏{‏فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ‏}‏ أي فالتعظيم خير له ‏{‏عِندَ رَبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ في الآخرة من التهاون بشيء منها‏.‏ وقيل‏:‏ إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد‏:‏ أن ذلك التعظيم خير ينتفع به، فهي عدة بخير ‏{‏وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام‏}‏ وهي الإبل والبقر والغنم ‏{‏إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ‏}‏ أي في الكتاب العزيز من المحرّمات، وهي الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة‏.‏ وقيل في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏‏.‏

‏{‏فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان‏}‏ الرجس‏:‏ القذر، والوثن‏:‏ التمثال، وأصله من وثن الشيء، أي أقام في مقامه، وسمي الصليب وثناً، لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه‏.‏ والمراد‏:‏ اجتناب عبادة الأوثان، وسماها رجساً؛ لأنها سبب الرجس وهو العذاب‏.‏ وقيل‏:‏ جعلها سبحانه رجساً حكماً، والرجس‏:‏ النجس، وليست النجاسة وصفاً ذاتياً لها ولكنها وصف شرعي، فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء‏.‏ قال الزجاج‏:‏ «من» هنا لتخليص جنس من أجناس، أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن ‏{‏واجتنبوا قَوْلَ الزور‏}‏ الذي هو الباطل، وسمي زوراً؛ لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وقولهم‏:‏ مدينة زوراء، أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم، وأعظمه الشرك بالله بأيّ لفظ كان‏.‏ وقال الزجاج المراد بقول الزور ها هنا‏:‏ تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم‏:‏ ‏{‏هذا حلال وهذا حَرَامٌ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 116‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به‏:‏ شهادة الزور‏.‏

وانتصاب ‏{‏حُنَفَاء‏}‏ على الحال، أي مستقيمين على الحق، أو مائلين إلى الحق‏.‏ ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة، ويقع على الميل‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ حجاجاً، ولا وجه لهذا‏.‏ ‏{‏غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏}‏ هو حال كالأوّل، أي غير مشركين به شيئاً من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم، وجملة‏:‏ ‏{‏وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء‏}‏ مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب‏.‏ ومعنى خرّ من السماء‏:‏ سقط إلى الأرض، أي انحط من رفيع الإيمان إلى حضيض الكفر ‏{‏فَتَخْطَفُهُ الطير‏}‏، يقال‏:‏ خطفه‏:‏ إذا سلبه، ومنه قوله‏:‏

‏{‏يَخْطَفُ أبصارهم‏}‏ ‏[‏البقرة 20‏]‏‏.‏ أي تخطف لحمه وتقطعه بمخالبها‏.‏ قرأ أبو جعفر ونافع بتشديد الطاء وفتح الخاء، وقرئ بكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما ‏{‏أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح‏}‏ أي تقذفه وترمي به ‏{‏فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏ أي بعيد، يقال‏:‏ سحق يسحق سحقاً فهو سحيق‏:‏ إذا بعد قال الزجاج‏:‏ أعلم الله أن بعد من أشرك به من الحقّ، كبعد ما خرّ من السماء، فتذهب به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد‏.‏

‏{‏ذلك وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله‏}‏ الكلام في هذه الإشارة قد تقدّم قريباً، والشعائر‏:‏ جمع الشعيرة، وهي كل شيء فيه لله تعالى شعار، ومنه شعار القوم في الحرب، وهو علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدن، وهو الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر الله‏:‏ أعلام دينه، وتدخل الهدايا في الحجّ دخولاً أوّلياً، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب‏}‏ راجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف، أي فإن تعظيمها من تقوى القلوب أي‏:‏ من أفعال القلوب التي هي من التقوى، فإن هذا التعظيم ناشئ من التقوى‏.‏ ‏{‏لَكُمْ فِيهَا منافع‏}‏ أي في الشعائر على العموم، أو على الخصوص، وهي البدن كما يدلّ عليه السياق‏.‏ ومن منافعها‏:‏ الركوب والدرّ والنسل والصوف وغير ذلك ‏{‏إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ وهو وقت نحرها ‏{‏ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق‏}‏ أي حيث يحلّ نحرها، والمعنى‏:‏ أنها تنتهي إلى البيت وما يليه من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرّة إلى وقت نحرها، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية‏.‏ وقيل‏:‏ إن محلها ها هنا مأخوذ من إحلال الحرام، والمعنى‏:‏ أن شعائر الحجّ كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي تنتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه‏.‏

‏{‏وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا‏}‏ المنسك ها هنا المصدر من نسك ينسك‏:‏ إذا ذبح القربان، والذبيحة‏:‏ نسيكة، وجمعها نسك‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ إن المراد بالمنسك في الآية‏:‏ موضع النحر، ويقال‏:‏ منسك بكسر السين وفتحها لغتان، قرأ بالكسر الكوفيون إلا عاصماً وقرأ الباقون بالفتح‏.‏ وقال الفرّاء‏:‏ المنسك في كلام العرب‏:‏ الموضع المعتاد في خير أو شرّ، وقال ابن عرفة‏:‏ ‏{‏وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا‏}‏ أي مذهباً من طاعة الله‏.‏ وروي عن الفراء أن المنسك‏:‏ العيد‏.‏ وقيل‏:‏ الحجّ، والأوّل أولى لقوله‏:‏ ‏{‏لّيَذْكُرُواْ اسم الله‏}‏ إلى آخره، والأمة‏:‏ الجماعة المجتمعة على مذهب واحد، والمعنى‏:‏ وجعلنا لكل أهل دين من الأديان ذبحاً يذبحونه، ودما يريقونه، أو متعبداً أو طاعة أو عيداً أو حجاً يحجونه، ليذكروا اسم الله وحده، ويجعلوا نسكهم خاصاً به ‏{‏على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام‏}‏ أي على ذبح ما رزقهم منها‏.‏ وفيه إشارة إلى أن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها، وفي الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه‏.‏

ثم أخبرهم سبحانه بتفرّده بالإلهية وأنه لا شريك له، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام له، والانقياد لطاعته وعبادته، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر، والفاء هنا كالفاء التي قبلها، ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبشر ‏{‏المخبتين‏}‏ من عباده، أي المتواضعين الخاشعين المخلصين، وهو مأخوذ من الخبت، وهو المنخفض من الأرض، والمعنى‏:‏ بشرهم يا محمد بما أعدّ الله لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه‏.‏ وقيل‏:‏ إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم، وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا‏.‏

ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله‏:‏ ‏{‏الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ أي خافت وحذرت مخالفته، وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوّة إيمانهم، ووصفهم بالصبر ‏{‏على مَا أَصَابَهُمْ‏}‏ من البلايا والمحن في طاعة الله ثم وصفهم بإقامة ‏{‏الصلاة‏}‏ أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والمقيمي الصلاة‏}‏ بالجرّ على ما هو الظاهر، وقرأ أبو عَمْرو بالنصب على توهم بقاء النون، وأنشد سيبويه على ذلك قول الشاعر‏:‏

الحافظو عورة العشيرة *** البيت بنصب عورة، وقيل‏:‏ لم يقرأ بهذه القراءة أبو عمرو، وقرأ ابن محيصن‏:‏ «والمقيمين» بإثبات النون على الأصل، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود، ثم وصفهم سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ‏}‏ أي يتصدّقون به وينفقونه في وجوه البرّ، ويضعونه في مواضع الخير، ومثل هذه الآية قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءاياته زَادَتْهُمْ إيمانا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏حرمات الله‏}‏ قال‏:‏ الحرمة مكة والحجّ والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان‏}‏ يقول‏:‏ اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان ‏{‏واجتنبوا قَوْلَ الزور‏}‏ يعني‏:‏ الافتراء على الله والتكذيب به‏.‏ وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أيمن بن خريم قال‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال‏:‏ «يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور شركاً بالله» «ثلاثاً، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور، قال أحمد‏:‏ غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد‏.‏ وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد أخرجه أحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث خريم‏.‏

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثاً، قلنا‏:‏ بلى يا رسول الله، قال‏:‏ «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً، فجلس فقال‏:‏ «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور»، فما زال يكرّرها حتى قلنا‏:‏ ليته سكت‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏حُنَفَاء للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ‏}‏ قال‏:‏ حجاجاً لله غير مشركين به، وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام، قال الله للمسلمين‏:‏ حجوا الآن غير مشركين بالله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصدّيق نحوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله‏}‏ قال‏:‏ البدن‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله‏}‏ قال‏:‏ الاستسمان والاستحسان والاستعظام، وفي قوله‏:‏ ‏{‏لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ قال‏:‏ إلى أن تسمى بدناً‏.‏ وأخرج هؤلاء عن مجاهد نحوه، وفيه قال‏:‏ ولكم فيها منافع إلى أجل مسمى، في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها إلى أن تسمى هدياً، فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع ‏{‏ثُمَّ مَحِلُّهَا‏}‏ يقول‏:‏ حين تسمى ‏{‏إلى البيت العتيق‏}‏‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا‏}‏ قال‏:‏ عيداً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال‏:‏ إهراق الدماء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ ذبحاً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال‏:‏ مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها‏.‏ وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها‏.‏

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَبَشّرِ المخبتين‏}‏ قال‏:‏ المطمئنين‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن أوس قال‏:‏ المخبتون في الآية الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏36‏)‏ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

قرأ ابن أبي إسحاق‏:‏ «والبدن» بضم الباء والدال، وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان، وهذا الاسم خاص بالإبل‏.‏ وسميت بدنة؛ لأنها تبدن، والبدانة‏:‏ السمن‏.‏ وقال أبو حنيفة ومالك‏:‏ إنه يطلق على غير الإبل، والأوّل أولى لما سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل، ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل‏.‏ وقال ابن كثير في تفسيره‏:‏ واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين‏:‏ أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً كما صح في الحديث ‏{‏جعلناها لَكُمْ‏}‏ وهي ما تقدّم بيانه قريباً ‏{‏لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ‏}‏ أي منافع دينية ودنيوية كما تقدّم ‏{‏فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا‏}‏ أي على نحرها ومعنى ‏{‏صَوَافَّ‏}‏ أنها قائمة قد صفت قوائمها، لأنها تنحر قائمة معقولة‏.‏ وأصل هذا الوصف في الخيل يقال‏:‏ صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة‏.‏ وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري‏:‏ «صوافي» أي خوالص لله لا تشركون به في التسمية على نحرها أحداً، وواحد صوافّ صافة، وهي قراءة الجمهور‏.‏ وواحد صوافي صافية، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر ومحمد بن علي‏:‏ «صوافن» بالنون جمع صافنة‏.‏ والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الصافنات الجياد‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 31‏]‏، ومنه قول عمرو بن كلثوم‏:‏

تركنا الخيل عاكفة عليه *** مقلدة أعنتها صفونا

وقال الآخر‏:‏

ألف الصفون فما يزال كأنه *** مما يقوم على الثلاث كسيرا

‏{‏فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا‏}‏ الوجوب‏:‏ السقوط، أي فإذا سقطت بعد نحرها، وذلك عند خروج روحها ‏{‏فَكُلُواْ مِنْهَا‏}‏ ذهب الجمهور أن هذا الأمر للندب ‏{‏وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر‏}‏ هذا الأمر قيل‏:‏ هو للندب كالأوّل، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج‏.‏ وقال الشافعي وجماعة‏:‏ هو للوجوب‏.‏

واختلف في القانع من هو‏؟‏ فقيل‏:‏ هو السائل، يقال‏:‏ قنع الرجل بفتح النون يقنع بكسرها إذا سأل، ومنه قول الشماخ‏:‏

لمال المرء يصلحه فيغني *** مفاقره أعفّ من القنوع

أي السؤال، وقيل‏:‏ هو المتعفف عن السؤال المستغني ببلغة، ذكر معناه الخليل‏.‏ قال ابن السكيت‏:‏ من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة‏.‏ وبالأوّل قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وروي عن ابن عباس‏.‏ وبالثاني قال عكرمة وقتادة‏.‏ وأما المعترّ، فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن‏:‏ أنه الذي يتعرّض من غير سؤال‏.‏ وقيل‏:‏ هو الذي يعتريك ويسألك‏.‏ وقال مالك‏:‏ أحسن ما سمعت أن القانع‏:‏ الفقير، والمعترّ‏:‏ الزائر‏.‏ وروي عن ابن عباس‏:‏ أن كليهما الذي لا يسأل، ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعترّ الذي يتعرّض لك ولا يسألك‏.‏

وقرأ الحسن‏:‏ «والمعترّى» ومعناه كمعنى المعترّ ومنه قول زهير‏:‏

على مكثريهم رزق من يعتريهم *** وعند المقلين السماحة والبذل

يقال‏:‏ اعترّه واعتراه وعرّه وعراه‏:‏ إذا تعرّض لما عنده أو طلبه، ذكره النحاس ‏{‏كذلك سخرناها لَكُمْ‏}‏ أي مثل ذلك التسخير البديع سخرناها لكم، فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها‏.‏ وتنتفعون بها بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهرها والحلب لها ونحو ذلك ‏{‏لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم‏.‏

‏{‏لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا‏}‏ أي لن يصعد إليه ولا يبلغ رضاه ولا يقع موقع القبول منه لحوم هذه الإبل التي تتصدّقون بها ولا دماؤها التي تنصب عند نحرها من حيث إنها لحوم ودماء ‏{‏ولكن يَنَالُهُ‏}‏ أي يبلغ إليه تقوى قلوبكم، ويصل إليه إخلاصكم له وإرادتكم بذلك وجهه، فإن ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ أصحاب اللحوم والدماء، أي‏:‏ لن يرضى المضحون والمتقرّبون إلى ربهم باللحوم والدماء، ولكن بالتقوى‏.‏ قال الزجاج‏:‏ أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به، وحقيقة معنى هذا الكلام تعود إلى القبول، وذلك أن ما يقبله الإنسان يقال‏:‏ قد ناله ووصل إليه، فخاطب الله الخلق كعادتهم في مخاطبتهم ‏{‏كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ‏}‏ كرّر هذا للتذكير، ومعنى ‏{‏لِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ‏}‏ هو قول الناحر‏:‏ الله أكبر عند النحر، فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها‏.‏ وذكر هنا التكبير‏.‏ للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالتكبير‏:‏ وصفه سبحانه بما يدلّ على الكبرياء، ومعنى ‏{‏على مَا هَدَاكُمْ‏}‏‏:‏ على ما أرشدكم إليه من علمكم بكيفية التقرّب بها، و«ما» مصدرية، أو موصولة ‏{‏وَبَشّرِ المحسنين‏}‏ قيل‏:‏ المراد بهم‏:‏ المخلصون‏.‏ وقيل‏:‏ الموحدون‏.‏ والظاهر أن المراد بهم‏:‏ كل من يصدر منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ البدن ذات الجوف‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ ليس البدن إلا من الإبل‏.‏ وأخرجوا عن الحكم نحوه‏.‏ وأخرجوا عن عطاء نحو ما قال ابن عمر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن، سعيد بن المسيب نحوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه أيضاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن يعقوب الرباحي عن أبيه قال‏:‏ أوصى إليّ رجل، وأوصى ببدنة، فأتيت ابن عباس فقلت له‏:‏ إن رجلاً أوصى إليّ وأوصى ببدنة، فهل تجزئ عني بقرة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم قال‏:‏ ممن صاحبكم‏؟‏ فقلت‏:‏ من بني رباح، فقال‏:‏ ومتى اقتنى بنو رباح البقر إلى الإبل‏؟‏ وهم صاحبكم، إنما البقر للأسد وعبد القيس‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الأضاحي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏{‏فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ‏}‏ قال‏:‏ إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة، ثم قل‏:‏ بسم الله والله أكبر‏.‏ وأخرج الفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏صَوَافَّ‏}‏ قال‏:‏ قياماً معقولة، وفي الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلاً قد أناخ بدنته وهو ينحرها، فقال‏:‏ ابعثها قياماً مقيدة سنّة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أبو عبيدة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ميمون بن مهران قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود‏:‏ «صوافن» يعني‏:‏ قياماً‏.‏

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَإِذَا وَجَبَتْ‏}‏ قال‏:‏ سقطت على جنبها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال‏:‏ نحرت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال‏:‏ ‏{‏القانع‏}‏‏:‏ المتعفف ‏{‏والمعتر‏}‏‏:‏ السائل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ القانع الذي يقنع بما آتيته‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ القانع‏:‏ الذي يقنع بما أوتي، والمعترّ‏:‏ الذي يعترض‏.‏ وأخرج عنه أيضاً قال‏:‏ القانع الذي يجلس في بيته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في سننه عنه، أنه سئل عن هذه الآية، فقال‏:‏ أما القانع‏:‏ فالقانع بما أرسلت إليه في بيته، والمعترّ‏:‏ الذي يعتريك‏.‏ وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال‏:‏ القانع‏:‏ الذي يسأل، والمعترّ‏:‏ الذي يتعرض، ولا يسأل‏.‏ وقد روي عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال مختلفة، والمرجع المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم في تفسير ذلك‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء فينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج نحوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 41‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ‏(‏38‏)‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ‏(‏39‏)‏ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏40‏)‏ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قرأ أبو عمرو وابن كثير‏:‏ «يدفع» وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏يدافع‏}‏ وصيغة المفاعلة هنا مجرّدة عن معناها الأصلي، وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدلّ عليه القراءة الأخرى‏.‏ وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيراً مثل‏:‏ عاقبت اللصّ ونحو ذلك، وقد قدّمنا تحقيقه‏.‏ وقيل‏:‏ إن إيراد هذه الصيغة هنا للمبالغة‏.‏ وقيل‏:‏ للدلالة على تكرر الواقع‏.‏ والمعنى‏:‏ يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين‏.‏ وقيل‏:‏ يعلي حجتهم‏.‏ وقيل‏:‏ يوفقهم‏.‏ والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من ربّ العالمين، وأنه المتولي للمدافعة عنهم، وجملة‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ‏}‏ مقرّرة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين مشعرة أتمّ إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له‏.‏ قال الزجاج‏:‏ من ذكر غير اسم الله وتقرّب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوّان كفور، وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم‏.‏

‏{‏أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ‏}‏ قرئ‏:‏ «أذن» مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وكذلك «يقاتلون»، قرئ مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول، وعلى كلا القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال، أو قاتلهم المشركون قاتلوهم‏.‏ قال المفسرون‏:‏ كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم، فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم‏:‏ «اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر»، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بالمدينة، وهي أوّل آية نزلت في القتال‏.‏ وهذه الآية مقرّرة أيضاً لمضمون قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله يُدَافِعُ‏}‏ فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في‏:‏ ‏{‏بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ‏}‏ للسببية، أي بسبب أنهم ظلموا بما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد‏.‏ ثم وعدهم سبحانه النصر على المشركين، فقال‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏ وفيه تأكيد لما مرّ من المدافعة أيضاً‏.‏

ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ‏}‏ ويجوز أن يكون بدلاً من الذين يقاتلون، أو في محل نصب على المدح، أو محل رفع بإضمار مبتدأ، والمراد بالديار‏:‏ مكة ‏{‏إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله‏}‏ قال سيبويه‏:‏ هو استثناء منقطع، أي لكن لقولهم‏:‏ ربنا الله أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم‏:‏ ربنا الله‏.‏ وقال الفراء والزجاج‏:‏ هو استثناء متصل، والتقدير‏:‏ الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا‏:‏ ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هل تنقمون منا إلا آمنا بالله‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 59‏]‏ وقول النابغة‏:‏

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

‏{‏وَلَوْلاَ دفع الله الناس‏}‏ قرأ نافع‏:‏ «ولولا دفاع» وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏ولولا دفع‏}‏ والمعنى‏:‏ لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، ومعنى ‏{‏لَّهُدّمَتْ‏}‏‏:‏ لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل‏.‏ فالصوامع‏:‏ هي صوامع الرهبان‏.‏ وقيل‏:‏ صوامع الصابئين، والبيع‏:‏ جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى، والصلوات‏:‏ هي كنائس اليهود، واسمها بالعبرانية صلوثا بالمثلثة فعربت، والمساجد هي مساجد المسلمين، وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ لولا هذا الدفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة‏.‏ وقيل‏:‏ لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار‏.‏ وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏ والصوامع‏:‏ جمع صومعة، وهي بناء مرتفع، يقال‏:‏ صمع الثريدة‏:‏ إذا رفع رأسها، ورجل أصمع القلب، أي حادّ الفطنة، والأصمع من الرجال‏:‏ الحديد القول‏.‏ وقيل‏:‏ الصغير الأذن‏.‏ ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام، وقد ذكر ابن عطية في ‏{‏صلوات‏}‏ تسع قراءات، ووجه تقديم مواضع عبادات أهل الملل على موضع عبادة المسلمين كونها أقدم بناء وأسبق وجوداً‏.‏ والظاهر من الهدم المذكور معناه الحقيقي كما ذكره الزجاج وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به المعنى المجازي، وهو تعطلها من العبادة، وقرئ‏:‏ ‏{‏لهدّمت‏}‏ بالتشديد، وانتصاب ‏{‏كثيراً‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً‏}‏ على أنه صفة لمصدر محذوف أي‏:‏ ذكراً كثيراً، أو وقتاً كثيراً، والجملة صفة للمساجد؛ وقيل‏:‏ لجميع المذكورات‏.‏

‏{‏وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ‏}‏ اللام هي جواب لقسم محذوف، أي والله لينصر الله من ينصره، والمراد بمن ينصر الله‏:‏ من ينصر دينه وأولياءه‏.‏ والقويّ‏:‏ القادر على الشيء، والعزيز‏:‏ الجليل الشريف قاله الزجاج‏.‏ وقيل‏:‏ الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع، والموصول في قوله‏:‏ ‏{‏الذين إِنْ مكناهم فِي الأرض‏}‏ في موضع نصب صفة لمن في قوله‏:‏ ‏{‏من ينصره‏}‏ قاله الزجاج‏:‏ وقال غيره‏:‏ هو في موضع جرّ صفة لقوله‏:‏ ‏{‏للذين يقاتلون‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بهم‏:‏ المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان‏.‏ وقيل‏:‏ أهل الصلوات الخمس‏.‏ وقيل‏:‏ ولاة العدل‏.‏ وقيل‏:‏ غير ذلك، وفيه إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض وأقدره على القيام بذلك، وقد تقدّم تفسير الآية، ومعنى ‏{‏وَلِلَّهِ عاقبة الأمور‏}‏‏:‏ أن مرجعها إلى حكمه وتدبيره دون غيره‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ لما أخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر‏:‏ أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكنّ القوم، فنزلت‏:‏ ‏{‏أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ‏}‏ الآية‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ وهي أوّل آية نزلت في القتال‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس‏.‏ انتهى‏.‏ وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم‏}‏ أي من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال‏:‏ فينا نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ‏}‏ والآية بعدها، أخرجنا من ديارنا بغير حق، ثم مكنّاهم في الأرض أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي‏.‏

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب محمد‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس‏}‏ الآية قال‏:‏ لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين لهدّمت صوامع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لَّهُدّمَتْ صوامع‏}‏ الآية قال‏:‏ الصوامع التي تكون فيها الرهبان، والبيع‏:‏ مساجد اليهود وصلوات‏:‏ كنائس النصارى، والمساجد‏:‏ مساجد المسلمين‏.‏ وأخرجا عنه قال‏:‏ البيع‏:‏ بيع النصارى، وصلوات‏:‏ كنائس اليهود‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏الذين إِنْ مكناهم فِي الأرض‏}‏ قال‏:‏ أرض المدينة ‏{‏الذين إِنْ‏}‏ قال‏:‏ المكتوبة ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا‏}‏ قال‏:‏ المفروضة ‏{‏وَأَمَرُواْ بالمعروف‏}‏ قال‏:‏ بلا إله إلا الله ‏{‏وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر‏}‏ قال‏:‏ عن الشرك بالله ‏{‏وَلِلَّهِ عاقبة الأمور‏}‏ قال‏:‏ وعند الله ثواب ما صنعوا‏.‏